أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

314

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

وفي كلام ابن عطية نحو من قوله أيضا ، فإنه قال : « بِاللَّهِ » في موضع رفع بتقدير زيادة الخافض ، وفائدة زيادته تبين معنى الأمر في صورة الخبر أي : اكتفوا باللّه ، فالباء تدلّ على المراد من ذلك » ، وفي هذا ما ردّ به على الزجاج وزيادة جعل الحرف زائدا وغير زائد . وقال ابن عيسى : « إنما دخلت الباء في « كَفى بِاللَّهِ » لأنه كان يتصل اتصال الفاعل ، وبدخول الباء اتصل اتصال المضاف واتصال الفاعل ؛ لأن الكفاية منه تعالى ليست كالكفاية من غيره ، فضوعف لفظها لمضاعفة معناها » ويحتاج إلى فكر . قوله : حَسِيباً فيه وجهان : أصحّهما : أنه تمييز يدلّ على ذلك صلاحية دخول « من » عليه ، وهي علامة التمييز . والثاني : أنه حال . و كَفى هنا متعدية لواحد ، وهو محذوف تقديره : « وكفاكم اللّه » وقال أبو البقاء : « وَكَفى » تتعدّى إلى مفعولين حذفا هنا تقديره : كفاك اللّه شرّهم بدليل قوله : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ « 1 » . والظاهر أنّ معناها غير معنى هذه . قال الشيخ « 2 » بعد أن ذكر أنها متعدية لواحد : و « تأتي » بغير هذا المعنى متعدية إلى اثنين كقوله : فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ . وهو محلّ نظر . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 7 إلى 9 ] لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 7 ) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً ( 8 ) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ( 9 ) قوله تعالى : مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ : هذا الجارّ في محل رفع لأنه صفة للمرفوع قبله أي : نصيب كائن أو مستقر ، ويجوز أن يكون في محل نصب متعلقا بلفظ « نَصِيبٌ » لأنّه من تمامه . وقوله : مِمَّا قَلَّ في هذا الجارّ أيضا وجهان : أحدهما : أنه بدل من « ما » الأخيرة في « مِمَّا تَرَكَ » بإعادة حرف الجر في البدل ، والضمير في « مِنْهُ » عائد على « ما » الأخيرة ، وهذا البدل مراد أيضا في الجملة الأولى حذف للدلالة عليه ، ولأنّ المقصود به التأكيد لأنه تفصيل للعموم المفهوم من قوله : « مِمَّا تَرَكَ » فجاء هذا البدل مفصّلا لحالتيه من الكثرة والقلة . والثاني : أنه حال من الضمير المحذوف من « تَرَكَ » أي : ممّا تركه قليلا أو كثيرا أو مستقرا ممّا قل . و نَصِيباً فيه أوجه : أحدها : أن ينتصب على أنه واقع موقع المصدر ، والعامل فيه معنى ما تقدّم ، إذ التقدير : عطاء أو استحقاقا ، وهذا

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 137 ) . ( 2 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 174 ) .